سلط مقال نشرته صحيفة "ديلي صباح" التركية، الضوء على المقاربة الجيوسياسية الحذرة والمرنة التي تنتهجها مصر في منطقة الشرق الأوسط، مفسرًا الأسباب الاستراتيجية والدبلوماسية وراء تقديمهتا دعمًا عسكريًا ثنائيًا للمملكة العربية السعودية، مع اختيارها البقاء خارج المظلة الرسمية لـ "حلف مكة الدفاعي" المشترك (الذي يضم السعودية، تركيا، وباكستان).
وأوضح الكاتب يوسف بهادير كيسكين، أن الدعم العسكري الذي تعهدت به القاهرة للرياض – والذي برز عقب الهجمات الأخيرة التي شنها الحوثيون على المطارات السعودية – جاء مشروطًا ومحددًا؛ حيث أبلغت القيادة المصرية نظيرتها السعودية بأن التزامها يقتصر على الدفاع عن سلامة الأراضي والحدود السيادية للمملكة فقط، مع استبعاد تام للمشاركة في أي عمليات هجومية أو التورط مجددًا في الصراع الداخلي اليمني.
اليمن بين القاهرة والرياض
ووفقًا للتحليل، فإنه بالنسبة لمصر، لا تُعدّ هجمات الحوثيين على الأراضي السعودية تطورًا يمكن مراقبته من بعيد. فالتداعيات الإقليمية للأزمة والعلاقات بين الرياض والقاهرة تُقحم مصر فعليًا في هذه العملية. وفي هذا السياق، تبرز ثلاثة عوامل: أمن البحر الأحمر، واعتماد مصر على الرياض، ومكانة اليمن في الذاكرة الجماعية المصرية.
السبب الأول: جغرافي وتجاري
يُعدّ مضيق باب المندب البوابة الجنوبية الأساسية لقناة السويس، التي تُعتبر من أهم مصادر مصر للعملات الأجنبية والإيرادات. في السنوات التي تصاعدت فيها التوترات في البحر الأحمر، انخفضت إيرادات القناة بشكل ملحوظ. فبعد أن بلغت ذروتها عند 9.4 مليار دولار في الفترة 2022-2023، ثم انخفضت بشكل حاد، لم تتعافَ الإيرادات إلا إلى 4.67 مليار دولار في السنة المالية الأخيرة.
ويُهدد توسع الحوثيين جنوبًا على طول ساحل اليمن على البحر الأحمر في سبتمبر، والقتال الشرس الذي تلا ذلك حول المضيق، هذا الانتعاش الهش مرة أخرى، ويُحوّل حرية الملاحة في المضيق إلى قضية أمن قومي مباشرة بالنسبة للقاهرة. كما أن دور مصر كعضو مؤسس في التحالف الدولي للدفاع البحري بقيادة السعودية، الذي انطلق في 30 يوليو لحماية الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، نابعٌ أيضًا من هذا القلق.
السبب الثاني: اعتماد القاهرة على الرياض
بحسب التحلي، فإنه يمكن النظر إلى هذه العلاقة على أنها علاقة اعتماد متبادل. تُعدّ السعودية من أهمّ الداعمين للاقتصاد المصري. وخلال زيارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة في سبتمبر، كان تمديد وديعة سعودية بقيمة 5.3 مليار دولار وحزمة استثمارات جديدة تتجاوز 10 مليارات دولار من أبرز المواضيع المطروحة. ومع ذلك، فإن امتلاك مصر لأكبر جيش عربي في المنطقة، واعتبارها أمن السعودية جزءًا لا يتجزأ من أمنها، يدعم فكرة أن هذه العلاقة ليست من جانب واحد. كما أن تأكيد مجلس الدفاع الوطني على أن الأمن القومي السعودي مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأمن القومي المصري والعربي يعكس هذا الفهم أيضًا.
السبب الثالث: تاريخي
من المفارقات أن اليمن كان المصدر الرئيسي للتوتر بين مصر والسعودية في ستينيات القرن الماضي. فبينما دعم العقيد جمال عبد الناصر الجمهوريين، ودعمت الرياض الملكيين، وصل البلدان إلى حافة الصدام المباشر في عدة مناسبات. وبعد أربعة وستين عامًا، تجد العاصمتان اليوم نفسيهما في اليمن. تدخلت مصر مباشرةً في الحرب الأهلية اليمنية بين عامي 1962 و1967، تاركةً هذه التجربة الطويلة والمكلفة ندوبًا عميقة في الذاكرة السياسية المصرية. وعندما انضمت القاهرة إلى التحالف الذي تقوده السعودية عام 2015، اختارت نشر قوات بحرية في مضيق باب المندب مع الامتناع عن العمليات البرية. ويُعد هذا سابقةً مهمةً لفهم موقفها الحالي.
وأوضح التحليل أن تحفّظ مصر على الانضمام الرسمي للحلف الجماعي يرتكز على ثلاث ركائز استراتيجية رئيسة:
هامش الحرية العسكرية
تمنح التفاهمات الثنائية القاهرة السيطرة الكاملة على تحديد توقيت وحجم ونطاق تدخلها العسكري وفقاً لتقديراتها ومصالحها المباشرة، في حين أن الانخراط في "حلف مكة" يفرض التزامات قانونية ودفاعية جماعية ملزمة قد تقيد صانع القرار المصري مستقبلاً.
الحفاظ على التوازنات الإقليمية
تسعى الدبلوماسية المصرية بعناية للحفاظ على شبكة علاقاتها المعقدة وقنوات الحوار المفتوحة مع قوى إقليمية متباينة مثل إسرائيل وإيران. كما أن العلاقات المصرية-التركية تشهد نموًا اقتصاديًا كبيرًا، رغم استمرار الخلافات القانونية بينهما شرق المتوسط؛ ومن ثم، فإن الدخول في حلف دفاعي تقوده أنقرة والرياض قد يعقد قدرة مصر على إدارة هذه التناقضات.
الحسابات الدولية والشركاء (عقدة باكستان والإمارات)
ترتبط مصر بعلاقات استراتيجية متنامية مع الهند (الخصم التاريخي لباكستان العضو المؤسس بالحلف). وتتطابق الرؤية المصرية في هذا الصدد مع حليفتها الاقتصادية الأبرز دولة الإمارات العربية المتحدة، التي تجمعها روابط وثيقة مع نيودلهي، وتتبنى أولويات إقليمية في ملفات مثل اليمن قد تتباين أحياناً مع الرؤية التوسعية للحلف الدفاعي الجديد.
واختتم المقال التحليلي الإشارة إلى أن المقاربة المصرية الحالية لا تضعف الجبهة العربية، بل تمثل ضرورة استراتيجية تضمن للرياض ظهيرًا عسكريًا قوياً يمتد ثقله من قناة السويس إلى باب المندب، مع الحفاظ على مرونة القرار السيادي المصري وحمايته من التكاليف المترابطة بالالتزامات العسكرية الجماعية.
https://www.dailysabah.com/opinion/op-ed/why-does-egypt-stand-with-riyadh-but-outside-mecca-alliance

